أبو حامد الغزالي
144
تهافت الفلاسفة
قلنا : لفظ الممكن والواجب لفظ مبهم ، إلا أن يراد بالواجب ما لا علة لوجوده ، ويراد بالممكن ما لوجوده علة زائدة على ذاته ؛ فإن كان المراد هذا ، فلنرجع إلى هذه اللفظة ، فنقول : كل واحد ممكن : على معنى أن له علة زائدة على ذاته ، والكل ليس بممكن . على معنى أنه ليس له علة زائدة على ذاته خارجة عنه ؛ وإن أريد بلفظ الممكن غير ما أردناه ، فهو ليس بمفهوم . فإن قيل : فهذا يؤدى إلى أن يتقوم واجب الوجود بممكنات الوجود ، وهو محال . قلنا : إن أردتم بالواجب والممكن ما ذكرناه فهو نفس المطلوب ، ولا نسلم أنه محال ، وهو كقول القائل : يستحيل أن يتقوم القديم بالحوادث : والزمان عندهم قديم ، وآحاد الدورات حادثة ، وهي ذوات أوائل ، والمجموع لا أول له ، فقد تقوّم ما لا أول له بذوات أوائل ، وصدق ذوات الأوائل على الآحاد ، ولم يصدق على المجموع ، فكذلك يقال على كل واحد : إن له علة ، ولا يقال : إن للمجموع علة ، وليس كل ما صدق على الآحاد ، يلزم أن يصدق على المجموع ، إذ قد يصدق على كل واحد ، أنه واحد ، وأنه بعض ، وأنه جزء ، ولا يصدق على المجموع ، وكل موضع عيناه من الأرض ، فإنه قد استضاء بالشمس في النهار ، وأظلم بالليل ، وكل واحد « 1 » حادث ، بعد أن لم يكن ، أي له أول ، والمجموع عندهم ماله « 2 » أول . فتبين أن من يجوز حوادث لا أول لها ، وهي صور العناصر الأربعة المتغيرات ، فلا يتمكن من إنكار علل لا نهاية لها ، ويخرج من هذا ، أنه لا سبيل لهم إلى الوصول إلى إثبات المبدأ الأول ، لهذا الإشكال ، ويرجع فرقهم إلى التحكم المحض . فإن قيل : الدورات ليست موجودة في الحال ، ولا صور العناصر ، وإنما الموجود منها صورة واحدة بالفعل ، وما لا وجود له ، لا يوصف بالتناهي وعدم
--> ( 1 ) لعله يعنى به المفهوم ضمنا من « الإضاءة » و « الظلمة » . ( 2 ) ينبغي حمل « ما » على أنها نافية لا على أنها موصولة .